Open/Close Menu Cabinet d'avocats Casablanca Maroc

الخبرة الطبية في قضايا حوادث السير بالمغرب: أهميتها، وكيفية الطعن فيها، والأخطاء التي قد تحرمك من التعويض الكامل

قد يظن كثير من ضحايا حوادث السير أن تقرير الخبرة الطبية مجرد إجراء شكلي يسبق صدور الحكم بالتعويض، غير أن الواقع العملي والقضائي يثبت عكس ذلك تماماً. فالخبرة الطبية تعد من أهم وسائل الإثبات في دعاوى التعويض عن حوادث السير، وهي في كثير من الملفات العنصر الذي يبنى عليه الحكم القضائي في تقدير الضرر وتحديد قيمة التعويض.

ومن خلال سنوات الممارسة في قضايا التعويض عن حوادث السير، يتبين أن الفرق بين تعويض محدود وتعويض منصف لا يرتبط دائماً بخطورة الإصابة، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بجودة الخبرة الطبية، ومدى الإعداد لها، وكيفية مناقشة نتائجها أمام المحكمة. ولذلك فإن فهم دور الخبرة الطبية لا يقل أهمية عن فهم القواعد القانونية التي تنظم المسؤولية والتعويض.

لماذا تعتبر الخبرة الطبية حجر الأساس في دعوى التعويض؟

يقوم التعويض في القانون المغربي على مبدأ أساسي مفاده أن كل ضرر ثابت ومباشر يستوجب التعويض. غير أن المحكمة، مهما بلغت خبرتها القانونية، لا تستطيع تقدير الإصابات وآثارها الصحية بنفسها، لأن ذلك يدخل في نطاق الاختصاص الطبي.

ولهذا تستعين المحكمة بخبير طبي تكون مهمته فحص المصاب والاطلاع على ملفه الطبي، ثم إعداد تقرير يبين فيه طبيعة الإصابات، ومدى ارتباطها بحادثة السير، وفترة العجز المؤقت، وما إذا كانت الحالة قد استقرت، وهل خلفت الإصابة عجزاً دائماً، ونسبة هذا العجز، وما إذا كان المصاب سيحتاج إلى علاج أو تدخلات طبية مستقبلاً.

ويشكل هذا التقرير أحد أهم الأدلة التي تعتمد عليها المحكمة عند تقدير التعويض، غير أنه لا يعد حكماً نهائياً، ولا يحل محل السلطة التقديرية للقاضي، وإنما يمثل رأياً فنياً يساعد المحكمة على تكوين قناعتها.

ولهذا فإن الاعتقاد بأن تقرير الخبير لا يمكن مناقشته أو الطعن فيه يعد من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً.

ما الذي يبحث عنه الخبير الطبي؟

لا يقتصر عمل الخبير على تحديد نوع الإصابة، بل يتناول مجموعة من العناصر التي تؤثر مباشرة في قيمة التعويض.

فهو يحدد طبيعة الإصابات، ومدى استقرار الحالة الصحية، ومدة العجز المؤقت، ونسبة العجز الدائم عند الاقتضاء، وآثار الإصابة على وظائف أعضاء الجسم، والحاجة إلى العلاج المستقبلي أو العمليات الجراحية أو إعادة التأهيل.

غير أن الخبير لا يحدد مبلغ التعويض، لأن تقدير التعويض يدخل ضمن الاختصاص الحصري للمحكمة، التي تأخذ بعين الاعتبار أيضاً عناصر قانونية واقتصادية واجتماعية أخرى، مثل مهنة المصاب، وتأثير الإصابة على دخله، والضرر الأدبي، والضرر المهني، وباقي عناصر الضرر القابلة للتعويض.

هل المحكمة ملزمة بالأخذ بتقرير الخبرة؟

من المبادئ المستقرة في القضاء المغربي أن الخبرة الطبية ليست دليلاً ملزماً للمحكمة.

فالخبير يقدم رأياً فنياً، أما القاضي فهو الذي يقدر قيمة هذا الرأي في ضوء باقي وثائق الملف. فإذا تبين للمحكمة أن تقرير الخبرة يشوبه نقص أو غموض أو تناقض، أو أنه لم يناقش جميع الإصابات، أو استند إلى معطيات غير دقيقة، جاز لها أن تستبعده كلياً أو جزئياً، أو تأمر بإجراء خبرة تكميلية أو خبرة مضادة.

ولهذا فإن تقرير الخبرة لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية الملف، وإنما باعتباره مرحلة يمكن مناقشتها قانوناً إذا اقتضى الأمر.

متى يمكن الطعن في الخبرة الطبية؟

يحق للمتضرر أو لشركة التأمين مناقشة تقرير الخبرة والطعن فيه كلما تبين أنه لا يعكس الحقيقة الطبية أو القانونية.

ومن أبرز الحالات التي تستدعي الاعتراض على الخبرة:

إذا أغفل الخبير بعض الإصابات الثابتة بالملف الطبي.

إذا حدد نسبة عجز لا تتناسب مع الحالة الصحية للمصاب.

إذا لم يناقش تأثير الإصابة على القدرة المهنية للمضرور.

إذا اعتمد على وثائق ناقصة أو لم يطلع على الملف الطبي كاملاً.

إذا جاء التقرير غامضاً أو متناقضاً أو خالياً من التعليل العلمي الكافي.

إذا أثبتت وثائق طبية لاحقة تطوراً في الحالة الصحية لم يكن الخبير قد أخذه بعين الاعتبار.

وفي مثل هذه الحالات، يمكن للمحامي أن يطلب من المحكمة إجراء خبرة جديدة أو استكمال الخبرة السابقة أو توجيه أسئلة إضافية إلى الخبير، بما يضمن الوصول إلى تقييم أكثر دقة للضرر.

الأخطاء الشائعة التي يرتكبها ضحايا حوادث السير قبل الخبرة الطبية

تظهر التجربة العملية أن عدداً كبيراً من ضحايا حوادث السير يرتكبون أخطاء تؤثر بصورة مباشرة في نتيجة الخبرة، ومن ثم في قيمة التعويض.

فمنهم من يتوقف عن العلاج قبل استقرار حالته الصحية، ومنهم من لا يحتفظ بالوثائق الطبية أو نتائج الفحوصات، ومنهم من يحضر الخبرة دون ملف طبي كامل، أو يعتقد أن الخبير على علم بجميع تفاصيل إصابته، أو يمتنع عن إبلاغ الخبير بالآلام التي لا تظهر في الأشعة أو التحاليل.

كما أن بعض المصابين يخضعون للخبرة دون استشارة قانونية مسبقة، رغم أن هذه المرحلة تعد من أهم مراحل الدعوى، وقد يصعب بعد انتهائها تصحيح ما أغفل فيها.

لماذا تعد الاستعانة بمحام قبل الخبرة أمراً بالغ الأهمية؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن دور المحامي يبدأ بعد صدور تقرير الخبرة.

غير أن المحامي المتخصص في قضايا التعويض عن حوادث السير يبدأ عمله قبل ذلك بكثير، إذ يقوم بدراسة الملف الطبي، والتأكد من اكتمال الوثائق، ومراجعة التقارير الطبية، وتحديد جميع عناصر الضرر التي ينبغي عرضها على الخبير، ثم يتولى بعد صدور التقرير تحليله قانونياً، ومناقشة ما قد يتضمنه من نواقص أو تناقضات، وطلب استكماله أو الطعن فيه عند الاقتضاء.

كما يعمل المحامي على إبراز الأضرار التي قد لا تظهر في التقرير الطبي وحده، كالأضرار المهنية أو المستقبلية أو الأدبية، حتى يكون ملف التعويض معبراً عن حقيقة الضرر الذي أصاب الضحية.

هل يمكن أن تختلف قيمة التعويض رغم تشابه الإصابات؟

الإجابة نعم.

فقد يحمل شخصان نسبة العجز نفسها، ومع ذلك يحصل كل منهما على تعويض مختلف.

ويرجع ذلك إلى أن القضاء لا يعتمد على نسبة العجز وحدها، وإنما يقدر جميع الظروف المحيطة بالمصاب، مثل سنه، ومهنته، ودخله، ومدى تأثير الإصابة على مستقبله المهني، والحاجة إلى علاج مستقبلي، والضرر الأدبي، وباقي عناصر الضرر.

ولهذا فإن الخبرة الطبية تمثل نقطة الانطلاق، لكنها ليست العنصر الوحيد الذي تعتمد عليه المحكمة عند احتساب التعويض.

كيف تزيد فرص الحصول على تعويض عادل؟

أفضل وسيلة لحماية حقك في التعويض تبدأ منذ اليوم الأول بعد الحادث.

احرص على متابعة العلاج بانتظام، والاحتفاظ بجميع الشهادات الطبية والفواتير ونتائج الفحوصات، وعدم إجراء الخبرة الطبية قبل استقرار حالتك الصحية إلا إذا اقتضى القانون ذلك، وعدم التوقيع على أي وثيقة أو قبول أي عرض للتعويض قبل دراسة الملف من الناحية القانونية.

كما أن الاستعانة بمحام متخصص قبل إجراء الخبرة تساعد على تجنب كثير من الأخطاء التي قد يصعب تداركها لاحقاً، وتضمن تقديم ملف متكامل يعكس جميع الأضرار التي لحقت بك.

الخاتمة

تعد الخبرة الطبية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها ملف التعويض عن حوادث السير، لكنها ليست مجرد إجراء طبي، بل هي مرحلة قانونية دقيقة تؤثر بصورة مباشرة في قيمة التعويض الذي ستحكم به المحكمة. ولهذا فإن نجاح دعوى التعويض لا يتوقف على وجود إصابة فقط، وإنما على إثبات آثارها الحقيقية ومناقشة الخبرة بطريقة قانونية سليمة.

ومن واقع الممارسة، فإن كثيراً من الضحايا لا يخسرون جزءاً من تعويضهم لأن إصاباتهم بسيطة، وإنما لأن الخبرة الطبية لم تعكس بصورة كاملة حقيقة الأضرار التي لحقت بهم، أو لأن تقريرها لم يناقش بالطريقة القانونية المناسبة.

ولهذا فإن الاستعانة بمحام متخصص في قضايا التعويض عن حوادث السير منذ بداية الملف تمثل إحدى أهم الضمانات لحماية حقوق الضحية، ومواكبة جميع مراحل الدعوى، والدفاع عن حقه في الحصول على تعويض عادل يتناسب مع حجم الضرر الذي أصابه.

الاستاذ نقيرة عبد الغني

المحامي بالدارالبيضاء

المقبول للترافع أمام محكمة النقض

logo-footer