Open/Close Menu Cabinet d'avocats Casablanca Maroc

من أكثر الأسئلة التي يطرحها ضحايا حوادث السير وأسرهم: هل ضاع حقي في التعويض لأن الحادث وقع منذ سنوات؟ ويزداد هذا التساؤل عندما تتأخر الإجراءات القضائية، أو عندما يكتشف المصاب لاحقاً أن إصابته كانت أخطر مما كان يعتقد، أو عندما لم يكن على علم بحقوقه القانونية وقت وقوع الحادث.

والجواب، من حيث المبدأ، هو أن الحق في التعويض لا يظل قائماً إلى ما لا نهاية، كما أنه لا يسقط بمجرد مرور بضعة أشهر على الحادث. فقد وضع المشرع المغربي آجالاً قانونية لمباشرة دعاوى التعويض، وهي آجال تختلف باختلاف طبيعة  الدعوى والجهة الموجهة ضدها والظروف الخاصة بكل ملف ويجب ألا تتعدى خمس سنوات في جميع الأحوال.

ومن ثم، فإن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تقتضي دراسة كل حالة على حدة، لأن مرور السنوات لا يعني دائماً سقوط الحق، كما أن رفع الدعوى بعد مدة طويلة لا يعني بالضرورة قبولها إذا كانت قد تجاوزت الآجال القانونية.

لماذا وضع القانون آجالاً للمطالبة بالتعويض؟

يقوم نظام التقادم في القانون على تحقيق التوازن بين مصلحتين متعارضتين؛ فمن جهة، يحرص على حماية حق المتضرر في المطالبة بجبر الضرر الذي أصابه، ومن جهة أخرى، يهدف إلى تحقيق الاستقرار في المعاملات وعدم إبقاء النزاعات مفتوحة إلى أجل غير محدد.

فكلما طال الزمن، أصبحت الأدلة أكثر عرضة للضياع، وقد يتعذر سماع الشهود أو الحصول على الوثائق الطبية أو تحديد ظروف الحادث بدقة. ولهذا اعتبر المشرع أن ممارسة الحقوق ينبغي أن تتم داخل آجال معقولة يحددها القانون.

غير أن قواعد التقادم في قضايا حوادث السير تتميز بدقة كبيرة، ولا يجوز تطبيقها بصورة آلية دون الرجوع إلى النصوص القانونية والاجتهادات القضائية.

هل تبدأ مدة التقادم من يوم وقوع الحادث؟

ليس بالضرورة.

ففي بعض الحالات، يبدأ احتساب الأجل من تاريخ وقوع الحادث، بينما قد يرتبط في حالات أخرى بتاريخ استقرار الحالة الصحية، أو بتاريخ صدور حكم معين، أو بتاريخ تحقق شروط قانونية خاصة.

ولهذا فإن تحديد نقطة بداية التقادم يعد من أكثر المسائل القانونية تعقيداً في قضايا التعويض، ولا يمكن الإجابة عنه دون دراسة وقائع الملف.

ولهذا السبب، قد يعتقد بعض الأشخاص أن حقهم قد سقط، بينما يكون القانون لا يزال يسمح لهم بالمطالبة بالتعويض.

هل يمكن المطالبة بالتعويض إذا ظهرت مضاعفات بعد سنوات؟

قد تبدو الإصابة في البداية بسيطة، ثم تتطور مع مرور الوقت لتظهر مضاعفات لم تكن معروفة عند وقوع الحادث.

وتثير هذه الحالات إشكالات قانونية مهمة، لأن العلاقة بين الإصابة الجديدة والحادث الأصلي يجب أن تثبت طبياً وقانونياً.

فإذا أثبتت الخبرة الطبية أن المضاعفات الحالية تمثل امتداداً مباشراً للإصابة الناتجة عن الحادث، فقد يكون لذلك أثر في الحقوق التي يمكن المطالبة بها، وفقاً لظروف كل ملف والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.

ولهذا فإن ظهور مضاعفات بعد سنوات لا يعني تلقائياً سقوط الحق أو ثبوته، وإنما يستوجب دراسة دقيقة للملف الطبي وللإجراءات التي سبق اتخاذها.

ماذا إذا لم أكن أعلم بحقوقي القانونية؟

من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى تأخر الضحايا في المطالبة بالتعويض اعتقادهم أن المبالغ التي عرضتها شركة التأمين هي الحد الأقصى الذي يسمح به القانون، أو جهلهم بإمكانية المطالبة بعناصر ضرر إضافية، أو اعتمادهم على معلومات غير صحيحة.

غير أن الجهل بالقانون لا يؤدي، في الأصل، إلى وقف سريان الآجال القانونية، ولذلك فإن التأخر بسبب عدم المعرفة قد تكون له آثار يصعب تداركها إذا انقضت مدة التقادم.

ولهذا ينصح دائماً بالحصول على استشارة قانونية في أقرب وقت ممكن بعد الحادث، حتى وإن لم يكن المصاب يرغب في رفع دعوى مباشرة.

هل يختلف الوضع إذا كان الملف قد بدأ أمام المحكمة؟

نعم.

فعندما تكون الإجراءات القضائية قد بدأت داخل الآجال القانونية، فإن ذلك قد تكون له آثار على حساب التقادم واستمرار المطالبة بالحقوق، وفقاً للقواعد التي ينص عليها القانون.

كما أن بعض الإجراءات القانونية قد تؤدي إلى وقف التقادم أو انقطاعه في الحالات التي يحددها المشرع.

ولهذا فإن تقييم الوضع القانوني يتطلب مراجعة جميع الإجراءات التي تمت منذ وقوع الحادث.

هل يمكن أن يسقط جزء من الحقوق دون الجزء الآخر؟

في بعض الملفات، قد تتعدد الحقوق الناشئة عن الحادث، وقد تخضع بعض الطلبات لقواعد تختلف عن غيرها.

فقد يتعلق الأمر بتعويض عن إصابات جسدية، أو مصاريف علاج، أو أضرار مادية، أو حقوق خاصة بذوي الضحية في حالة الوفاة.

ولهذا فإن دراسة كل حق على حدة قد تكون ضرورية لتحديد ما إذا كان لا يزال قابلاً للمطالبة به.

لماذا لا ينبغي الاعتماد على المعلومات العامة؟

كثير من المواقع الإلكترونية أو صفحات التواصل الاجتماعي تقدم إجابات مختصرة من قبيل: «يمكن المطالبة بالتعويض لمدة كذا سنة»، أو «الحق يسقط بعد مدة معينة».

غير أن هذه الإجابات، رغم بساطتها، قد تكون مضللة لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل ملف.

فقضايا حوادث السير تختلف من حيث المسؤولية، والإجراءات التي اتخذت، ونوع الضرر، ومرحلة الملف، والجهة المطلوب التعويض منها، وهي عناصر قد تؤثر مباشرة في تحديد الآجال القانونية.

ولهذا فإن أي رأي قانوني جدي ينبغي أن يبنى على دراسة الملف، لا على قاعدة عامة مجردة.

دور المحامي في حماية الحق قبل فوات الأوان

من أهم الأدوار التي يقوم بها المحامي المتخصص في قضايا التعويض عن حوادث السير التحقق من الآجال القانونية قبل مباشرة أي إجراء.

فهو يراجع تاريخ الحادث، والإجراءات التي تمت، والوثائق المتوفرة، وما إذا كانت هناك أسباب قانونية أثرت في حساب التقادم، ثم يحدد أفضل وسيلة للمحافظة على حقوق الضحية.

وفي كثير من الحالات، تؤدي الاستشارة القانونية المبكرة إلى تفادي سقوط الحقوق، أو إلى مباشرة الإجراءات اللازمة داخل الأجل القانوني.

أما الانتظار إلى أن يتأكد الشخص بنفسه من وضعه القانوني، فقد يؤدي إلى ضياع حق كان بالإمكان المحافظة عليه.

ماذا يجب أن تفعل إذا وقع الحادث منذ سنوات؟

إذا كانت حادثة السير قد وقعت منذ مدة، فلا تفترض أن حقك قد سقط، ولا تفترض أيضاً أنه لا يزال قائماً.

فالخطوة الصحيحة هي جمع جميع الوثائق المتعلقة بالحادث، بما في ذلك المحاضر، والتقارير الطبية، والأحكام إن وجدت، والمراسلات مع شركة التأمين، ثم عرضها على محام متخصص لإجراء تقييم قانوني دقيق.

ففي بعض الملفات قد يكون الحق لا يزال قائماً، وفي ملفات أخرى قد تكون هناك إجراءات كان ينبغي اتخاذها في وقت سابق.

ولهذا فإن دراسة الملف هي وحدها التي تسمح بإعطاء جواب قانوني صحيح.

إن المطالبة بالتعويض عن حادثة سير بعد مرور سنوات ليست مسألة يمكن الإجابة عنها بنعم أو لا، لأن الأمر يرتبط بالقواعد القانونية المنظمة للتقادم، وبالإجراءات التي اتخذت منذ وقوع الحادث، وبطبيعة الضرر، وبالظروف الخاصة بكل قضية.

ولهذا فإن مرور الزمن لا يعني دائماً ضياع الحق، كما أن وجود حق محتمل لا يعني بالضرورة إمكانية المطالبة به دون مراعاة الآجال التي يقررها القانون.

ومن ثم، فإن أفضل وسيلة لحماية حقوقك هي عدم تأجيل الاستشارة القانونية، لأن تقييم الملف في الوقت المناسب قد يكون الفارق بين الحفاظ على حقك في التعويض وبين سقوطه بسبب فوات الأجل القانوني.

الأستاذ نقيرة عبد الغني

محام بالدارالبيضاء

مقبول بمحكمة النقض

logo-footer