يختلف الخطأ وفق مدونة الشغل عن باقي الأخطاء المنصوص عليها ضمن فروع القانون المدني، أو القانون الجنائي، كما أنه لا ينظر إليه من الناحية العمدية أو غير العمدية،
لكن يحظى الخطأ بأهمية خاصة على ضوء مدونة الشغل، فقد يكون لهذا الأخير عواقب على السير العادي للمقاولة، كما يمكن أن يؤدي للطرد من العمل دون مراعاة أجل الإخطار ودون تعويض عن الفصل ولا تعويض عن الضرر،
وحيث لئن كان المشرع قد أجاز للمشغل سلطة ممارسة وإتخاذ عقوبات في حق مرتكبي أي خطأ فإنه وضع هذه السلطة تحت مراقبة السلطلة القضائية للقرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسته سلطته التأديبية، وهو ما يزكي الأهمية البالغة التي أولاها المشرع للخطأ ضمن مقتضيات مدونة الشغل.
حيث نصت المادة 42 من مدونة الشغل في فقرتها الأخيرة على أنه:
» تخضع لمراقبة السلطة القضائية القرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسة سلطته التأديبية. »
كما يعتبر الهدف من إقرار المشرع لمبدأ التدرج في العقوبات هو تحقيق التناسب بين الخطأ والعقوبة، وإتاحة فرضة ثانية للأجير لضبط سلوكه والحفاظ على استقرار العلاقة الشغلية وإستمرارتيها.
لكن يطرح التسائل حول مدى تطبيق مبدأ التدرج عند إرتكاب الأجير لخطأ جسيم ؟ وهل يطبق في الخطأ الجسيم كما يطبق في الخطأ غير الجسيم ؟
تنص المادة 37 من مدونة الشغل على أنه:
يمكن للمشغل اتخاذ إحدى العقوبات التأديبية التالية في حق الأجير لارتكابه خطأ غير جسيم :
1 – الإنذار؛
2 – التوبيخ؛
3 – التوبيخ الثاني، أو التوقيف عن الشغل مدة لا تتعدى ثمانية أيام؛
4 – التوبيخ الثالث، أو النقل إلى مصلحة، أو مؤسسة أخرى عند الاقتضاء، مع مراعاة مكان سكنى الأجير.
تطبق على العقوبتين الواردتين في الفقرتين 3 و4 من هذه المادة مقتضيات المادة 62 أدناه.
يستشف من المادة أعلاه على أن المشرع خول الحق للمشغل في إتخاذ إحدى العقوبات التأديبية في حق الأجير عند إرتكابه لخطأ غير جسيم، دون اللجوء إلى أقصى العقوبات (الفصل) وأحاط هذا الحق بضمانات للأجير وهي إحترام مبدأ التدرج في إتخاذ إحدى هاته العقوبات، كما خول للأجير الحق في اللجوء للمحكمة المطالبة ببطلان العقوبة وسحبها من سجله الإداري،
كما أنه إشترط في حالة التوبيخ الثاني أو التوقيف عن الشغل مدة لا تتعدى ثمانية أيام، وفي حالة التوبيخ الثالث، أو النقل إلى مصلحة، أو مؤسسة أخرى عند الاقتضاء، مع مراعاة مكان سكنى الأجير، ضرورة تطبيق مقتضيات المادة 62 من مدونة الشغل.
وبالعودة للسؤال المطروح نجده يعالج إشكالية رئيسة حول مدى تطبيق مبدأ التدرج عند إرتكاب الأجير لخطأ جسيم،
ففي حالة إرتكاب الأجير لخطأ جسيم فإن المشغل يمكنه فصل الأجير مباشرة دون سلوك مبدأ التدرج والمرور من العقوبات التأديبية لاسيما في حالة تكبد المشغل ضررا كبيرا تستحيل معه إسترمرا العلاقة الشغلية، إلا أن هذا الحق مقيد ومنظم بشروط منها:
- ضرورة أن يكون الخطأ ثابتا وألحق ضررا مباشرا بالمشغل يفقد الثقة في العلاقة الشغلية؛
- أن يحترم المشغل مسطرة الفصل المنصوص عليها وفق مقتضيات المواد 62 و63 و64 و65 من مدونة الشغل.
وحيث إن كان مبدأ التدرج واجب التطبيق في حالة الخطأ غير الجسيم فإنه لا يسري على الخطأ الجسيم فقد نظم المشرع الخطأ الجسيم المبرر للفصل بنص خاص وحدد على سبيل المثال بعض الأخطاء الجسيمة التي يمكن أن ترتكب من طرف الأجير وتؤدي لفصله، وهذا ما أكدته جل قرارات محكمة النقض، منهها القرار رقم
وهذا ما نصت عليه مقتضيات المادة 61 من مدونة الشغل، كما تؤكده جل قرارات محكمة النقض منها القرار عدد 118 الصادر بتاريخ 25/01/2023 في الملف الاجتماعي رقم: 1172/5/2/2020.
نزاع شغل – خطأ جسيم – أثره .
» الثابت من وثائق الملف أن الأجيرة تم فصلها عن العمل بسبب ارتكابها خطأ جسيما، والمحكمة راقبت شكليات مسطرة الفصل واعتبرتها سليمة وأن المطلوبة اتخذت مقرر الفصل وبلغته لها ومكنتها من حقوقها الناجمة عن العقد بموجب وصل تصفية الحساب، تكون قد عللت قرارها تعليلا سليما ولم تخرق المقتضى المحتج به. »
وفي قرار أخر تحت رقم 25 الصادر بتاريخ 07/01/2009 في الملف الاجتماعي عدد: 313/5/1/2008:
ثبوت ارتكاب الأجير لخطأ جسيم يوجب فصله من دون تعويض.
وفي الختام، يمكن اعتبار أن مبدأ التدرج في العقوبات التأديبية يعد قاعدة عامة آمرة في حالة الخطأ غير الجسيم، بينما يشكل الخطأ الجسيم إستثناء يجيز للمشغل فصل الاجير مباشرة دون المرور بمبدأ التدرج في العقوبات التأديبية، شريطة إثبات مبرر مقبول للفصل، وإحترام مسطرة الفصل من طرف المشغل، ويبقى للمراقبة القضائية الكلمة الفاصلة في مدى صحة تكييف الخطأ الجسيم من عدمه، ومدى التطبيق السليم للعقوبة التأديبية.
