Open/Close Menu Cabinet d'avocats Casablanca Maroc

يُعد سؤال « هل يحق للمشغل فصل الأجير بسبب غيابه ليوم واحد؟ » من أكثر الأسئلة التي يطرحها الأجراء في المغرب، لا سيما عندما يتفاجؤون بتلقي استدعاء للمساءلة التأديبية أو إشعار بإنهاء عقد الشغل إثر تغيبهم عن العمل لمدة يوم واحد فقط.

ورغم شيوع الاعتقاد بأن أي غياب غير مبرر يمنح المشغل الحق في الفصل، فإن الواقع القانوني أكثر دقة وتعقيداً. فمدونة الشغل المغربية لا تقرر أن مجرد الغياب ليوم واحد يشكل، في حد ذاته، سبباً مشروعاً لإنهاء عقد الشغل، كما أنها لا تمنح الأجير حصانة تجعله بمنأى عن المساءلة التأديبية بسبب هذا الغياب. وإنما تخضع مشروعية قرار الفصل لتقييم مجموعة من العناصر القانونية والواقعية، من بينها طبيعة الغياب، ومدى تبريره، والضرر الذي قد يكون ترتب عنه، وسوابق الأجير المهنية، فضلاً عن احترام المشغل للمسطرة التأديبية والضمانات القانونية المقررة لفائدة الأجير.

وعليه، فإن الأصل هو أن الغياب ليوم واحد لا يبرر، بمفرده، فصل الأجير، إلا إذا اقترن بظروف استثنائية تضفي عليه وصف الخطأ الجسيم، أو ترتب عنه ضرر جسيم ومثبت أصاب المقاولة، مع التقيد الصارم بالإجراءات التي تفرضها مدونة الشغل. فالفصل من العمل يظل أخطر جزاء تأديبي، ولا يكون مشروعاً إلا إذا استند إلى سبب حقيقي وجدي، واحترمت بشأنه جميع الضمانات التي كفلها القانون.

وانطلاقاً من ذلك، سنحاول في هذا المقال الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تحليل مقتضيات مدونة الشغل المغربية، وبيان الحالات التي يمكن فيها أن يشكل الغياب سبباً مشروعاً للفصل، والحالات التي

يعد فيها قرار الفصل غير مشروع، مع استعراض أهم الضوابط القانونية والعملية التي ينبغي أن يراعيها كل من المشغل والأجير.

أولاً: ما المقصود بالغياب غير المبرر في قانون الشغل المغربي؟

لم تضع مدونة الشغل المغربية تعريفاً صريحاً لمفهوم الغياب غير المبرر، غير أن مقتضياتها، إلى جانب المبادئ المستقرة في القضاء الاجتماعي، تسمح باستخلاص أن المقصود به هو تخلف الأجير عن أداء عمله أو عدم حضوره إلى مقر العمل خلال أوقات العمل المتفق عليها، دون الحصول على ترخيص مسبق من المشغل أو دون الاستناد إلى سبب مشروع يبرر هذا الغياب.

ولا يكفي مجرد عدم حضور الأجير إلى مقر العمل لاعتباره مرتكباً لمخالفة تأديبية، إذ يتعين التحقق من الظروف والملابسات التي أحاطت بالغياب، وما إذا كان الأجير قد تعذر عليه الحضور لسبب خارج عن إرادته أو لسبب مشروع اعترف به القانون أو جرى العرف المهني على قبوله.

ولهذا، يتعين التمييز بين حالتين أساسيتين:

1. الغياب المبرر

وهو الغياب الذي يستند إلى سبب مشروع يحول دون التحاق الأجير بعمله، شريطة أن يقوم، كلما كان ذلك ممكناً، بإشعار المشغل وأن يدعم غيابه بالوثائق أو وسائل الإثبات المناسبة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

  • المرض المثبت بشهادة طبية؛
  • حوادث الشغل أو حوادث السير؛
  • القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية الخارجة عن إرادة الأجير؛
  • الرخص القانونية أو الاتفاقية؛
  • بعض الظروف العائلية الطارئة، متى ثبتت مشروعيتها.

وفي هذه الحالات، لا يشكل الغياب في حد ذاته إخلالاً بالالتزامات التعاقدية، طالما ثبت وجود سبب مشروع يبرره.

2. الغياب غير المبرر

ويقصد به تغيب الأجير عن العمل دون سبب مشروع، أو دون تقديم مبرر مقبول، أو دون إشعار المشغل، متى كان هذا الإشعار ممكناً. ويعد هذا النوع من الغياب إخلالاً بالالتزام الأساسي الملقى على عاتق الأجير، والمتمثل في تنفيذ العمل المتفق عليه، وقد يبرر اتخاذ إجراءات تأديبية تتناسب مع جسامة المخالفة، وفقاً لأحكام مدونة الشغل.

غير أن الغياب غير المبرر، ولو ثبت وقوعه، لا يؤدي تلقائياً إلى الفصل من العمل، إذ يبقى على المشغل تقدير ظروف كل حالة، واحترام مبدأ التناسب بين الخطأ والعقوبة، وسلوك المسطرة التأديبية المنصوص عليها قانوناً.

ويجدر التنبيه إلى أن عبء إثبات سبب الغياب يقع، من حيث المبدأ، على عاتق الأجير، باعتباره الطرف الذي يتمسك بوجود مبرر يعفيه من المسؤولية التأديبية. وفي المقابل، يتحمل المشغل عبء إثبات

 واقعة الغياب واحترامه للإجراءات القانونية إذا قرر ترتيب جزاء تأديبي أو إنهاء عقد الشغل بسبب هذا الغياب.

ثانياً: هل يعتبر الغياب ليوم واحد خطأً جسيماً يبرر الفصل؟

يُعد هذا السؤال من أكثر الإشكالات التي تثار في منازعات الشغل، إذ يعتقد بعض المشغلين أن مجرد تغيب الأجير عن العمل لمدة يوم واحد، دون مبرر، يكفي لإنهاء عقد الشغل. غير أن هذا التصور لا ينسجم مع فلسفة مدونة الشغل المغربية، التي تقوم على مبدأ التناسب بين الخطأ المرتكب والجزاء التأديبي، وعلى حماية استقرار علاقة الشغل من الإنهاء التعسفي.

والأصل أن الغياب ليوم واحد، ولو كان غير مبرر، لا يشكل في حد ذاته خطأً جسيماً يبرر فصل الأجير.

فقد حددت مدونة الشغل حالات الخطأ الجسيم التي تجيز للمشغل إنهاء عقد الشغل دون إشعار أو تعويض، ومن بينها، على سبيل المثال لا الحصر، السرقة، وإفشاء السر المهني، والاعتداء أو ممارسة العنف داخل المؤسسة، وحالة السكر البين أو تعاطي المخدرات أثناء العمل، والتخريب العمدي لممتلكات المقاولة، ورفض تنفيذ تعليمات مشروعة من شأنها ضمان حسن سير العمل متى كان هذا الرفض يشكل إخلالاً جسيماً بالالتزامات المهنية.

ويلاحظ أن المشرع لم يدرج مجرد الغياب ليوم واحد ضمن حالات الخطأ الجسيم، وهو ما يعني أن هذا الغياب لا يبرر الفصل بصورة تلقائية، وإنما يخضع لتقدير ظروف كل نازلة على حدة.

ولا يمنع ذلك من أن يتحول الغياب، في بعض الحالات الاستثنائية، إلى سبب يبرر توقيع عقوبة أشد، إذا اقترن بعناصر أخرى تضفي عليه قدراً أكبر من الجسامة. ومن بين هذه العناصر:

  • إذا كان الغياب جزءاً من سلوك متكرر رغم توجيه إنذارات أو جزاءات تأديبية سابقة؛
  • إذا رفض الأجير تقديم أي مبرر أو امتنع عن الالتحاق بعمله رغم مطالبته بذلك؛
  • إذا أدى الغياب، بالنظر إلى طبيعة مهام الأجير، إلى إلحاق ضرر جسيم ومثبت بالمقاولة أو إلى تعريض سلامة الأشخاص أو الممتلكات للخطر؛
  • إذا شكل الغياب صورة من صور الانقطاع عن العمل أو التخلي عن المنصب وفق الشروط التي يقرها القانون والاجتهاد القضائي.

ومع ذلك، فإن توافر إحدى هذه الظروف لا يؤدي تلقائياً إلى اعتبار الغياب خطأً جسيماً، بل يظل الأمر خاضعاً للسلطة التقديرية للقضاء، الذي ينظر إلى جميع عناصر الواقعة، بما في ذلك أقدمية الأجير، وسوابقه المهنية، وطبيعة وظيفته، والضرر الذي لحق بالمقاولة، ومدى احترام المشغل للمسطرة التأديبية.

وعليه، فإن القاعدة هي أن الغياب ليوم واحد لا يبرر الفصل بمفرده، والاستثناء هو أن تقترن به ظروف استثنائية تثبت أن المخالفة بلغت من الجسامة ما يجعل استمرار علاقة الشغل غير ممكن، مع التزام المشغل، في جميع الأحوال، بإثبات الوقائع واحترام الضمانات والإجراءات المنصوص عليها في مدونة الشغل.

هذه الصياغة أكثر دقة من الناحية القانونية، لأنها:

  • تربط التحليل مباشرة بالمادة 39 من مدونة الشغل دون أن تنسب إليها ما لم تنص عليه.
  • تؤكد أن الخطأ الجسيم يخضع لتكييف القضاء وليس لتقدير المشغل وحده.
  • تفرق بين الغياب البسيط والغياب المقترن بظروف مشددة.
  • تتجنب الجزم بأن الضرر أو تكرار الغياب يجعل الخطأ جسيماً تلقائياً، وهو ما ينسجم مع الاجتهاد القضائي المغربي ومبدأ التناسب بين الخطأ والعقوبة.
  • ثالثاً: ما هي الآثار القانونية للغياب غير المبرر ليوم واحد؟

    إذا تغيب الأجير عن العمل لمدة يوم واحد دون تقديم مبرر مشروع، فإن هذا الغياب قد يشكل إخلالاً بأحد الالتزامات الأساسية الناشئة عن عقد الشغل، والمتمثل في التزام الأجير بالحضور إلى مقر العمل وأداء المهام المتفق عليها خلال أوقات العمل المحددة.

    كما قد يشكل هذا السلوك مخالفة لأحكام النظام الداخلي للمقاولة أو للإجراءات التنظيمية المتعلقة بالحضور والانضباط المهني، متى كانت هذه القواعد قد وضعت وفقاً للقانون وأُبلغ بها الأجراء.

    غير أن ثبوت الغياب غير المبرر لا يؤدي، في حد ذاته، إلى منح المشغل الحق في فصل الأجير، لأن السلطة التأديبية التي يخولها القانون للمشغل تخضع لمبدأ جوهري يتمثل في التناسب بين جسامة الخطأ والجزاء التأديبي. ويقتضي هذا المبدأ ألا تكون العقوبة أشد من المخالفة المرتكبة، وأن تؤخذ بعين الاعتبار جميع الظروف المحيطة بالواقعة.

    ولهذا، فإن المشغل ملزم، قبل تحديد الجزاء المناسب، بالنظر إلى مجموعة من العناصر، من بينها:

    • مدى جسامة المخالفة المرتكبة؛
    • ما إذا كان الغياب يشكل واقعة معزولة أم يدخل ضمن سلوك متكرر؛
    • أقدمية الأجير وسجله المهني وسوابقه التأديبية؛
    • طبيعة المهام التي يشغلها داخل المؤسسة؛
    • الآثار التي ترتبت عن الغياب على سير العمل أو على مصالح المقاولة.

    وفي ضوء هذه العناصر، قد يرى المشغل أن المخالفة تستوجب الاكتفاء بجزاء تأديبي أخف من الفصل، كالتنبيه أو الإنذار أو التوبيخ، أو أي جزاء تأديبي آخر يقرره القانون أو النظام الداخلي للمقاولة، شريطة أن يكون متناسباً مع جسامة الفعل، وأن يتم توقيعه بعد احترام الإجراءات والضمانات المنصوص عليها في مدونة الشغل.

    أما اللجوء إلى الفصل، فلا يكون مشروعاً إلا إذا تبين أن المخالفة بلغت من الخطورة ما يجعل استمرار علاقة الشغل غير ممكن، أو إذا اقترنت بظروف استثنائية تبرر هذا الجزاء، مع التقيد الصارم بالمسطرة التأديبية المقررة قانوناً.

    ويؤكد القضاء المغربي بصورة مستمرة أن الفصل من العمل يمثل آخر وأشد الجزاءات التأديبية، ولذلك لا يجوز اللجوء إليه بسبب غياب عارض أو مخالفة بسيطة، ما لم يثبت المشغل أن هذا الإجراء كان ضرورياً ومتناسباً مع ظروف الواقعة، وأنه احترم جميع الضمانات القانونية المقررة لفائدة الأجير.

    رابعاً: هل يحق للمشغل فصل الأجير بسبب الغياب دون احترام المسطرة التأديبية؟

    الجواب هو لا.

    فحتى إذا اعتبر المشغل أن الغياب غير المبرر يشكل مخالفة تأديبية تستوجب توقيع جزاء على الأجير، فإنه لا يجوز له اتخاذ قرار الفصل بصورة فورية أو انفرادية، بل يتعين عليه احترام المسطرة التأديبية المنصوص عليها في مدونة الشغل، باعتبارها ضمانة أساسية لحماية حقوق الدفاع وتحقيق التوازن بين السلطة التأديبية للمشغل وحقوق الأجير.

    وقد أقر المشرع هذه المسطرة لضمان عدم اتخاذ قرارات متسرعة أو تعسفية، ولتمكين الأجير من إبداء ملاحظاته وتقديم مبرراته قبل تقرير أي جزاء تأديبي، ولا سيما إذا تعلق الأمر بالفصل، باعتباره أخطر العقوبات التي يمكن أن تنهي علاقة الشغل.

    وتقتضي هذه المسطرة، على وجه الخصوص:

    • استدعاء الأجير للاستماع إليه بشأن الوقائع المنسوبة إليه، داخل الأجل القانوني المقرر.
    • تمكينه من ممارسة حقه في الدفاع وإبداء ملاحظاته وتقديم الوثائق أو المبررات التي يستند إليها، مع إمكانية الاستعانة بممثل الأجراء أو الممثل النقابي وفقاً لما يجيزه القانون.
    • تحرير محضر لجلسة الاستماع يتضمن أقوال الطرفين والوقائع التي تمت مناقشتها، وتسليم نسخة منه للأجير عند الاقتضاء.
    • اتخاذ القرار التأديبي بعد دراسة جميع المعطيات، مع مراعاة مبدأ التناسب بين المخالفة والجزاء.
    • تبليغ قرار الفصل أو الجزاء التأديبي وفق الكيفية والآجال التي تحددها مدونة الشغل، بما يضمن علم الأجير بأسباب القرار ويمكنه من ممارسة حقوقه القانونية.

    وتجدر الإشارة إلى أن احترام هذه الإجراءات لا يعد مجرد إجراء شكلي، بل يمثل شرطاً جوهرياً لصحة الفصل. ولذلك، فإن إغفال المشغل للمسطرة التأديبية أو الإخلال بإحدى ضماناتها الأساسية قد يؤدي إلى اعتبار الفصل غير مشروع، حتى لو ثبت ارتكاب الأجير للمخالفة المنسوبة إليه.

    وقد استقر القضاء المغربي على أن ثبوت الخطأ التأديبي لا يعفي المشغل من الالتزام باحترام المسطرة القانونية، لأن مشروعية الفصل تقوم على ركنين متلازمين: وجود سبب مشروع للفصل، واحترام الإجراءات التي رسمها القانون لاتخاذ هذا القرار. فإذا تخلف أحد هذين الركنين، تعرض قرار الفصل لخطر الإلغاء والحكم بالتعويضات المقررة قانوناً.

    خامسا: ماذا ينبغي أن يفعل الأجير إذا تم فصله بسبب غياب يوم واحد؟

    إذا قرر المشغل إنهاء عقد الشغل بسبب غياب الأجير لمدة يوم واحد، فلا يعني ذلك بالضرورة أن قرار الفصل مشروع أو مطابق لأحكام مدونة الشغل. إذ إن مشروعية الفصل تخضع لرقابة القضاء، الذي يتحقق من وجود سبب حقيقي وجدي للفصل، ومن احترام المشغل للمسطرة التأديبية والضمانات القانونية المقررة لفائدة الأجير.

    لذلك، ينبغي للأجير أن يتعامل مع قرار الفصل بهدوء وحذر، وأن يتخذ مجموعة من الإجراءات التي من شأنها المحافظة على حقوقه وتمكينه من إثبات موقفه عند الاقتضاء.

    ومن أهم هذه الإجراءات:

    1. الاحتفاظ بجميع الوثائق المتعلقة بالفصل

    ينبغي الاحتفاظ بجميع الوثائق والمراسلات المرتبطة بعلاقة الشغل، ولا سيما قرار الفصل، أو الاستدعاء لجلسة الاستماع، أو محضر الاستماع، أو أي مراسلات أو إشعارات وجهها المشغل، لأنها قد تشكل وسائل إثبات أساسية عند عرض النزاع على المحكمة.

    2. جمع الأدلة التي تبرر الغياب

    إذا كان الغياب راجعاً إلى سبب مشروع، كمرض مفاجئ، أو حادث، أو قوة قاهرة، أو أي ظرف استثنائي حال دون الالتحاق بالعمل، فيتعين على الأجير جمع كل الوثائق أو وسائل الإثبات التي تؤيد أقواله، مثل الشهادات الطبية، أو المحاضر الرسمية، أو أي مستند آخر يثبت مشروعية الغياب.

    3. التحقق من احترام المشغل للمسطرة التأديبية

    من الضروري التأكد مما إذا كان المشغل قد احترم الإجراءات المنصوص عليها في مدونة الشغل، ولا سيما تمكين الأجير من حقه في الاستماع والدفاع قبل اتخاذ قرار الفصل. فإغفال هذه الضمانات قد يؤدي إلى اعتبار الفصل غير مشروع، حتى إذا ثبت وقوع الغياب.

    4. عدم التوقيع على أي وثيقة دون الاطلاع على آثارها القانونية

    قد يعرض المشغل على الأجير التوقيع على محاضر أو تصريحات أو وثائق تتضمن إقراراً بالخطأ أو تنازلاً عن بعض الحقوق. لذلك، ينبغي عدم التوقيع على أي وثيقة قبل قراءتها بعناية وفهم آثارها القانونية، وعند الاقتضاء طلب مهلة للاطلاع عليها أو استشارة مختص قبل التوقيع.

    5. استشارة محام متخصص في قانون الشغل

    يستحسن عرض الملف على محام متخصص في قانون الشغل في أقرب وقت ممكن، حتى يتولى تقييم مدى مشروعية قرار الفصل، وفحص احترام المشغل للمقتضيات القانونية، وتحديد الوسائل القانونية المناسبة لحماية حقوق الأجير، سواء من خلال التسوية الودية أو اللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء.

    إن الفصل بسبب غياب يوم واحد لا يعني بالضرورة أن الأجير فقد حقوقه القانونية، كما لا يفترض صحة قرار المشغل بمجرد صدوره. فالقضاء الاجتماعي لا يكتفي بالتحقق من واقعة الغياب، وإنما يراقب أيضاً مدى مشروعية السبب الذي استند إليه المشغل، واحترامه للإجراءات القانونية، والتناسب بين المخالفة والجزاء. ولهذا، فإن التصرف السليم منذ اللحظات الأولى بعد صدور قرار الفصل، والاحتفاظ بوسائل الإثبات، والاستعانة باستشارة قانونية متخصصة، قد يكون له أثر حاسم في حماية حقوق الأجير وضمان حسن سير الدعوى عند عرضها على القضاء…

    توصيات عملية للمشغلين: كيف يمكن الوقاية من النزاعات المرتبطة بالغياب؟

    إن تدبير حالات الغياب لا يقتصر على تطبيق الجزاءات التأديبية، بل يبدأ بوضع إطار تنظيمي واضح يحدد حقوق والتزامات كل من المشغل والأجير. فالتجربة العملية أثبتت أن أغلب المنازعات لا ترجع إلى غياب النصوص القانونية، وإنما إلى غياب إجراءات داخلية واضحة أو إلى سوء تطبيقها.

    ورغم أن مدونة الشغل المغربية لا تلزم المشغل باعتماد جميع الآليات التنظيمية المعمول بها في بعض الأنظمة المقارنة، فإن تبني مجموعة من أفضل الممارسات في مجال إدارة الموارد البشرية يسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن القانوني للمقاولة، والحد من مخاطر المنازعات القضائية، وترسيخ مبادئ الحكامة الاجتماعية.

    ومن أبرز هذه الممارسات:

    • وضع سياسة داخلية مكتوبة لتدبير الغياب، تتضمن تعريف حالات الغياب، وإجراءات الإبلاغ، وكيفية معالجة حالات التأخر أو الانقطاع عن العمل، مع إدماجها في النظام الداخلي أو في دليل الموارد البشرية.
    • تحديد وسائل وآجال الإبلاغ عن الغياب، مع بيان الأشخاص المخول لهم تلقي الإشعار، والوسائل المعتمدة للتواصل، كالبريد الإلكتروني أو الهاتف أو المنصات الرقمية الخاصة بالمقاولة، بما يضمن سرعة التواصل وتوثيق الإشعارات.
    • تنظيم مسطرة تقديم المبررات، من خلال تحديد أجل معقول لإيداع الشهادات الطبية أو غيرها من الوثائق المثبتة للغياب، مع مراعاة الحالات الاستثنائية التي قد تحول دون احترام هذا الأجل.
    • توثيق جميع الإجراءات والمراسلات المتعلقة بالغياب، بما في ذلك الإشعارات، والاستدعاءات، ومحاضر جلسات الاستماع، والقرارات التأديبية، لأن التوثيق يعد من أهم وسائل الإثبات عند نشوء أي نزاع قضائي.
    • اعتماد مبدأ التدرج في الجزاءات التأديبية، بحيث لا يتم اللجوء إلى الفصل إلا بعد تقييم جسامة المخالفة وظروفها، واحترام مبدأ التناسب بين الخطأ والجزاء، ما لم يتعلق الأمر بخطأ جسيم يجيز الفصل وفقاً لأحكام القانون.
    • تكوين المديرين والمسؤولين المباشرين ومسؤولي الموارد البشرية في كيفية تدبير حالات الغياب وفق أحكام مدونة الشغل، وتوعيتهم بالضمانات القانونية الواجبة قبل اتخاذ أي إجراء تأديبي، تجنباً للأخطاء الإجرائية التي قد تؤدي إلى اعتبار الفصل غير مشروع.
    • إجراء مراجعة دورية للسياسات الداخلية للتأكد من توافقها مع التعديلات التشريعية والاجتهادات القضائية، ومع تطور أساليب تنظيم العمل داخل المقاولة.

    ولا تمثل هذه التدابير مجرد إجراءات تنظيمية، بل تعد أدوات فعالة لإرساء ثقافة الامتثال القانوني داخل المؤسسة، وتعزيز الثقة بين الإدارة والأجراء، والحد من المنازعات المرتبطة بتدبير الغياب والانضباط المهني.

    ومن الناحية العملية، فإن المقاولة التي تعتمد سياسة واضحة، وتوثق جميع إجراءاتها، وتحترم الضمانات القانونية قبل توقيع أي جزاء تأديبي، تكون في وضع قانوني أكثر قوة عند نشوء أي نزاع أمام القضاء، مقارنة بالمقاولة التي تعتمد قرارات فردية أو ارتجالية تفتقر إلى التأطير القانوني والتنظيمي.

    أهم القواعد القانونية التي يجب تذكرها

    يثير الفصل بسبب الغياب العديد من الإشكالات العملية، غير أن القواعد القانونية التي تحكم هذا الموضوع أصبحت مستقرة إلى حد كبير، ويمكن تلخيصها في المبادئ الآتية:

    • إن مجرد غياب الأجير عن العمل لمدة يوم واحد لا يؤدي، في حد ذاته، إلى فقدان وظيفته أو يمنح المشغل حق إنهاء عقد الشغل بصورة تلقائية. فالفصل لا يكون مشروعاً إلا إذا استند إلى سبب حقيقي وجدي، وتوافرت الشروط القانونية التي تبرره.
    • لا توجد قاعدة قانونية عامة تنطبق على جميع حالات الغياب. فكل حالة تخضع لتقدير ظروفها وملابساتها الخاصة، بما في ذلك سبب الغياب، ومدته، وطبيعة المهام التي يشغلها الأجير، وآثاره على سير العمل، وسوابقه المهنية والتأديبية.
    • يقع على عاتق المشغل عبء إثبات الوقائع التي يستند إليها في توقيع الجزاء التأديبي أو اتخاذ قرار الفصل. كما يلتزم بإثبات احترامه للمسطرة التأديبية والضمانات القانونية المقررة لفائدة الأجير، باعتبارها شرطاً أساسياً لمشروعية القرار.
    • لا يكفي ثبوت الغياب لإضفاء المشروعية على قرار الفصل. فإذا لم يحترم المشغل الإجراءات التي تفرضها مدونة الشغل، ولا سيما حق الأجير في الاستماع والدفاع، فإن قرار الفصل قد يقضي القضاء بعدم مشروعيته، حتى إذا ثبتت المخالفة التأديبية.
    • يظل مبدأ التناسب بين الخطأ والجزاء من المبادئ الأساسية في قانون الشغل. فالفصل يمثل أشد الجزاءات التأديبية، ولا يجوز اللجوء إليه إلا إذا كانت المخالفة بالغة الجسامة أو إذا استحال استمرار العلاقة الشغلية في ضوء ظروف الواقعة.
    • تعد الوقاية القانونية أفضل وسيلة لتجنب المنازعات الاجتماعية. فاعتماد سياسة داخلية واضحة لتدبير الغياب، وتوثيق جميع الإجراءات والمراسلات، وتكوين المسؤولين في مجال تطبيق قانون الشغل، يسهم في حماية مصالح المقاولة، وفي الوقت نفسه يضمن احترام الحقوق الأساسية للأجراء ويعزز الثقة داخل بيئة العمل.

    وفي النهاية، فإن حسن تدبير حالات الغياب لا يتحقق بالتشدد في توقيع العقوبات، ولا بالتساهل مع الإخلال بالالتزامات المهنية، وإنما يقوم على التطبيق السليم لأحكام مدونة الشغل، واحترام الضمانات القانونية، وتحقيق التوازن بين مصلحة المقاولة وحقوق الأجير، وهو التوازن الذي يحرص القضاء المغربي على تكريسه في منازعات الشغل.

logo-footer