لقد نظم المشرع علاقة الشغل وفق قواعد قانونية آمرة لا يجوز مخالفتها، سواء تعلق الأمر بإثبات العلاقة الشغلية أو إستمراريتها أو إنهاءها، وهو ما عبر عنه صراحة من خلال المادة 11 من مدونة الشغل، حيث جعل من المصلحة الفضلى للعمال الغاية الأسمى من وجود مدونة الشغل، نظرا للاختلاف الجوهري بين طرفي عقد العمل (العامل – المشغل)
ومن بين مظاهر الحماية الخاصة للعامل نجد على أن المشرع لم يمنح للمشغل سلطة مطلقة في إنهاء عقد الشغل وإنما قيد ذلك بمقتضيات قانونية آمرة تهدف إلى حماية حقوق الأجراء وكذا مصلحة المقاولة مما يحقق نوع من التوازن واليقين بالأمن القانوني لدى العامل من جهة ولدى المشغل من جهة ثانية.
وحيث يعد الطرد التعسفي من بين أبرز المشاكل التي تراود ذهن العمال بشكل مستمر، وترهق تفكيرهم، وتعكس طريقة عملهم، ومن خلال هذا المقال سنسلط الضوء على إشكالية محورية حول هل يحق للمشغل طرد العامل دون سبب؟
يعتبر الطرد التعسفي إنهاء للعلاقة الشغلية من طرف المشغل بدون سبب مشروع أو دون الاستناد لمبرر قانوني، كما يعتبر الطرد تعسفيا إذا لم يحترم المشغل مسطرة الفصل وفق مقتضيات مدونة الشغل.
وبالرجوع لمدونة الشغل نجد على أن المشرع قيد ووضع الاطار العام لطرد العامل من الشغل، وفق ضوابط قانونية لا يجوز مخالفتها،
فالأصل في طرد العامل من الشغل يجب أن يستند إلى مبرر واقعي وقانوني يبرر إنهاء العلاقة الشغلية، وأن يتم وفق مسطرة الفصل المنصوص عليها بالمواد 62 و63 و64 و65 من مدونة الشغل، وهو ما عبرة عنه صراحة المادة 35 من مدونة الشغل،
» يمنع فصل الأجير دون مبرر مقبول إلا إذا كان المبرر مرتبطا بكفاءته أو بسلوكه في نطاق الفقرة الأخيرة من المادة 37 والمادة 39 أدناه، أو تحتمه ضرورة سير المقاولة في نطاق المادتين 66 و67 أدناه. «
ومن خلال إستقراء المادة أعلاه نجد على أن المشرع نظم أسباب الطرد التعسفي وفق ضوابط إما وجود مبرر مقبول، وإما تحتمه ضرورة سير المقاولة، لكن قيد ذلك بضرورة إحترام مسطرة الفصل من جهة وإحترام مسطرة إغلاق المقاولة لاسباب هيكيلية.
فلا يكفي أن يرغب المشغل في إنهاء عقد الشغل فقط بل يجب أن يثبت مبرر مشروع من جهة، وأن يحترم مسطرة الفصل من جهة أخرى،
وحيث على فرض وجود مبرر مقبول لطرد العامل من الشغل، فإن المشغل ملزم بسلوك مسطرة الفصل وفق ما تقتضيه مدونة الشغل، بحيث إستقر العمل القضائي على أن المحكمة لا تنظر للأخطاء الجسيمة إلا بعد التأكد من إحترام المشغل لمسطرة الفصل،
حيث جاء في إحدة قرارات محكمة النقص تحت رقم 110 الصادر بتاريخ 01/02/2022، في الملف الاجتماعي عدد: 217/5/1/2021،
نزاع شغل – مسطرة الفصل – وجوب التأكد من إحترامها قبل النظر للأخطاء.
إن المحكمة لا تنظر للأخطاء المرتكبة من طرف الأجير إلا بعد تأكدها من إحترام مسطرة الفصل المنصوص عليها بالمواد 62 إلى 64 من مدونة الشغل، وأن عدم إحترامها كليا أو جزئيا يجعل من الفصل الذي تعرض له الأجير متسما بالتعسف يستحق عنه التعويض.
أما في حالة إحترم المشغل مسطرة الفصل بكل حذافرها، فإن المحكمة لا تنظر إلا في الاسباب الواردة في رسالة الفصل وهذا ما جاءت به الفقرة الأخيرة من المادة 64 من مدونة الشغل التي تنص على أن:
لا يمكن للمحكمة أن تنظر إلا في الأسباب الواردة في مقرر الفصل وظروفه.
وهو ما أكده العمل القضائي خصوصا إجتهادات محكمة النقض المتواترة، حيث جاء في القرار رقم 74 الصادر بتاريخ 23/01/2023 في الملف الاجتماعي عدد: 3094/5/1/2022، على أن:
نزاع الشغل – مقرر الفصل من العمل – أثره
إن العبرة بالسبب المباشر لإنهاء العلاقة الشغلية، وأن المحكمة لا تناقش إلا الأخطاء الواردة لمقرر الفصل دون غيرها.
وفي قرار أخر تحت رقم 225/2 الصادر بتاريخ 15/02/2023 في الملف الاجتماعي عدد: 1526/5/1/2020، جاء فيه:
إن إقدام المشغلة على فصل الأجير عن العمل بعد ارتكابها لخطأ جسيم، يجعلها ملزمة باحترام مسطرة الفصل المنصوص عليها في المواد 62 و63 و64 و65 من مدونة الشغل، وأن المشرع قد أولى أهمية كبرى لمسطرة الفصل المتخذة في حق الأجير وأعطى للمحكمة سلطة المراقبة على مدى تطبيق هذه المسطرة من طرف المشغل ومنح الأجير مجموعة من الضمانات التي يتعين احترامها من طرف المشغل أثناء سلوكه مسطرة الفصل.
أما في حالة إغلاق المقاولة لاسباب هيكيلية فقد وضع المشرع مسطرة خاصة لذلك، لحماية العمال وضمان حقوقهم،
حيث أوجب المشرع على المشغل سلوك مسطرة الإغلاق المنصوص عليها وفق مقتضيات المواد 66 و67 و68 و69 من مدونة الشغل، وقد إعتبر أي إنهاء لعقد الشغل دون إحترام المواد السالفة الذكر فصلا تعسفيا.
وهو ما اكدته قرارات محكمة النقض في العديد من المناسبات، حيث جاء في قرار رقم 989، الصادر بتاريخ 04/07/2013 في الملف الاجتماعي عدد 1257/5/2/2012،
فصل الأجراء بسبب إغلاق المؤسسة لأسباب اقتصادية أو تكنولوجية أو هيكلية حسب المواد 66 و67 و68 و69 من مدونة الشغل يتوقف على إذن يسلمه عامل العمالة أو الإقليم داخل أجل أقصاه شهران ابتداء من تاريخ تقديم الطلب من طرف المشغل للمندوب الإقليمي المكلف بالشغل. ولا يغني عن ذلك مراسلة عامل العمالة أو الإقليم وعدم جوابه داخل أجل شهرين للقول بموافقته الضمنية للإغلاق، ما دام أن المشغل لم تحترم مقتضيات الفصول المشار إليها أعلاه.
ويترتب على أي إنهاء تعسفي من طرف المشعل حق العامل في اللجوء إلى القضاء والمطالبة بحقوقه ومستحقاته الناتجة عن الطرد التعسفي ( من تعويض عن الإخطار والفصل والضرر) إضافة إلى باقي الحقوق المرتبطة بتنفيذ العقد كالأجر والعطلة السنوية وشهادة العمل …
وصفوة القول، فإن المشرع المغربي لا يجيز للمشغل طرد العامل دون سبب مشروع يقع عبء إثباته عليه، كما أنه لا يجيز طرد العامل دون إحترام شكليات مسطرة الفصل، وذلك حماية لاستقرار العلاقة الشغلية والحفاظ على كرامة العامل، باعتباره الطرف الضعيف بعقد العمل، وحماية للاقتصاد والوطني وإرتفاع معدلات البطالة.
