يتصور كثير من ضحايا حوادث السير أن الحصول على التعويض مسألة تلقائية، وأن مجرد وقوع الحادث وإثبات الإصابة يكفيان للحصول على كامل الحقوق التي يقررها القانون. غير أن الواقع العملي أمام المحاكم المغربية وشركات التأمين يكشف عن حقيقة مختلفة؛ فعدد كبير من الضحايا لا يخسرون حقوقهم بسبب ضعف النصوص القانونية، وإنما بسبب أخطاء يرتكبونها منذ الساعات الأولى بعد الحادث، أو أثناء مباشرة إجراءات المطالبة بالتعويض.
وفي معظم الملفات، لا يكون الفرق بين تعويض عادل وتعويض هزيل راجعاً إلى خطورة الإصابة، وإنما إلى الطريقة التي أُدير بها الملف، والوثائق التي جُمعت، والإجراءات التي اتخذت، والقرارات التي اتخذها المصاب دون استشارة قانونية.
ولهذا فإن معرفة هذه الأخطاء وتجنبها يعد من أهم وسائل حماية الحق في التعويض الكامل.
أولاً: التأخر في العلاج أو عدم توثيق الإصابات
من أكثر الأخطاء شيوعاً أن يعتقد المصاب أن إصابته بسيطة، فيؤجل زيارة الطبيب أو يتوقف عن العلاج بعد أيام قليلة من الحادث.
وقد تتطور بعض الإصابات مع مرور الوقت، خاصة إصابات العمود الفقري والرقبة والدماغ والمفاصل، لتظهر مضاعفاتها بعد أسابيع أو أشهر.
وعندما لا توجد وثائق طبية تثبت تطور الحالة الصحية، يصبح من الصعب الربط بين هذه المضاعفات وحادثة السير، وهو ما قد يؤدي إلى استبعادها عند احتساب التعويض.
ولهذا ينبغي مراجعة الطبيب فور وقوع الحادث، والاحتفاظ بجميع الشهادات الطبية، ونتائج الفحوصات، ووصفات الأدوية، وتقارير الاستشفاء، لأنها تشكل الأساس الذي يبنى عليه ملف التعويض.
ثانياً: إهمال الاحتفاظ بالفواتير والمصاريف
كثير من الضحايا يركزون على العلاج، لكنهم يهملون الاحتفاظ بالفواتير والإيصالات المتعلقة بالمصاريف التي تحملوها.
والحال أن المحكمة لا تستطيع الحكم بالتعويض عن نفقات العلاج أو التنقل أو إعادة التأهيل أو شراء الأجهزة الطبية ما لم تكن هذه المصاريف مثبتة بالوثائق.
فكل درهم أنفق بسبب الإصابة ينبغي أن يكون مؤيداً بمستند، لأن الإثبات هو أساس المطالبة القضائية.
ثالثاً: قبول أول عرض من شركة التأمين دون استشارة قانونية
قد تبادر شركة التأمين إلى تقديم عرض للتعويض في مرحلة مبكرة، ويظن المصاب أن هذا العرض يمثل القيمة الحقيقية لحقوقه.
غير أن تقييم الضرر، في كثير من الأحيان، لا يكون ممكناً إلا بعد استقرار الحالة الصحية وإجراء الخبرة الطبية ودراسة جميع الآثار التي خلفتها الإصابة.
وقبول التعويض قبل اكتمال هذه المعطيات قد يؤدي إلى التنازل عن مبالغ كان من الممكن المطالبة بها لاحقاً.
ولهذا فإن أي عرض للتعويض ينبغي أن يخضع لدراسة قانونية دقيقة قبل قبوله أو التوقيع على أي وثيقة مرتبطة به.
رابعاً: التوقيع على وثائق دون معرفة آثارها القانونية
من الأخطاء التي تتكرر في الواقع العملي توقيع بعض الضحايا على إقرارات أو تنازلات أو محاضر أو اتفاقات صلح دون إدراك آثارها القانونية.
وقد يترتب على هذه الوثائق سقوط بعض الحقوق أو الحد من إمكانية المطالبة بتعويضات إضافية في المستقبل.
ولهذا فإن القاعدة التي ينبغي أن يلتزم بها كل متضرر هي: لا توقع أي وثيقة تتعلق بحادثة السير أو بالتعويض قبل عرضها على محام متخصص.
فما يبدو مجرد إجراء إداري قد تكون له آثار قانونية يصعب تداركها بعد ذلك.
خامساً: إجراء الخبرة الطبية دون إعداد الملف
تعد الخبرة الطبية من أهم مراحل دعوى التعويض، ومع ذلك يحضر كثير من المصابين إليها دون إعداد مسبق.
فقد ينسون اصطحاب الملف الطبي كاملاً، أو لا يقدمون جميع الوثائق التي تثبت تطور حالتهم الصحية، أو لا يلفتون انتباه الخبير إلى بعض الإصابات أو المضاعفات التي يعانون منها.
والنتيجة أن يصدر تقرير لا يعكس حقيقة الضرر، وهو ما ينعكس مباشرة على قيمة التعويض.
ولهذا فإن الإعداد للخبرة الطبية لا يقل أهمية عن الخبرة نفسها، ويستحسن أن يتم ذلك بتوجيه من محام متمرس في هذا النوع من القضايا.
سادساً: الاعتماد على الوسطاء
للأسف، تظهر بعد وقوع حوادث السير فئة من الأشخاص تستغل حاجة الضحايا وجهلهم بالإجراءات القانونية.
فهؤلاء يقدمون أنفسهم باعتبارهم وسطاء قادرين على تسريع التعويض أو الحصول على مبالغ أكبر، ويطلبون في المقابل عمولات أو توقيع وثائق أو وكالات.
ويجب التنبيه إلى أن الدفاع عن الحقوق القانونية وتقديم الاستشارات في هذا المجال من اختصاص المحامين، وأن التعامل مع أشخاص غير مؤهلين يؤدي إلى ضياع الحقوق أو استغلال الوضع الصحي والنفسي للمصاب.
وقد أثبتت التجربة أن كثيراً من الملفات التي تبدأ بطريقة غير قانونية تنتهي بتعويضات أقل من الحقوق التي كان يمكن الحصول عليها.
سابعاً: عدم إثبات جميع عناصر الضرر
يعتقد بعض الضحايا أن التعويض يقتصر على الجروح أو تكاليف العلاج، بينما يعترف القانون المغربي بأنواع متعددة من الأضرار.
فقد يستحق المصاب التعويض عن فقدان الدخل، أو انخفاض القدرة على العمل، أو الضرر الأدبي، أو التشوهات الجمالية، أو الحاجة إلى علاج مستقبلي، أو الأضرار المهنية، وغيرها من العناصر التي قد يغفل عنها إذا لم يدرس الملف دراسة قانونية متخصصة.
ولهذا فإن حصر جميع عناصر الضرر يعد من أهم أسباب الحصول على تعويض عادل.
ثامناً: التأخر في مباشرة الإجراءات القانونية
الحقوق لا تضيع فقط بسبب عدم وجودها، وإنما قد تضيع أيضاً بسبب عدم المطالبة بها داخل الآجال التي يحددها القانون.
ولهذا فإن التأخر في مباشرة الإجراءات أو ترك الملف دون متابعة قد يؤدي إلى تعقيدات قانونية كان من الممكن تفاديها لو تم التحرك في الوقت المناسب.
وكلما بدأ إعداد الملف مبكراً، كانت فرص المحافظة على الأدلة والوثائق وإثبات الضرر أكبر.
تاسعاً: الاعتقاد أن كل الملفات متشابهة
من الأخطاء المنتشرة مقارنة التعويضات بين الأشخاص.
فقد يسمع المصاب أن شخصاً آخر حصل على مبلغ معين عن إصابة مشابهة، فيعتقد أن حقه سيكون مماثلاً.
غير أن القضاء المغربي لا يعتمد على المقارنة بين الملفات، وإنما يدرس ظروف كل قضية على حدة، آخذاً بعين الاعتبار سن الضحية، ومهنته، ودخله، وطبيعة إصابته، ونسبة العجز، وآثار الإصابة على حياته الشخصية والمهنية.
ولهذا فإن كل ملف يتمتع بخصوصيته، ولا يمكن تقدير التعويض بصورة صحيحة إلا بعد دراسة جميع عناصره.
لماذا يعد تدخل المحامي منذ البداية أمراً حاسماً؟
إن الدور الحقيقي للمحامي في قضايا حوادث السير لا يبدأ عند رفع الدعوى، وإنما يبدأ منذ وقوع الحادث.
فهو يساعد على توجيه الضحية إلى الإجراءات الصحيحة، والمحافظة على الأدلة، وإعداد الملف الطبي، ومواكبة الخبرة، ومناقشة تقاريرها عند الاقتضاء، وحصر جميع عناصر الضرر، والتفاوض مع شركة التأمين، وتمثيل المصاب أمام القضاء.
وفي كثير من الملفات، لا يكون نجاح الدعوى مرتبطاً بوجود الحق فقط، وإنما بحسن عرضه وإثباته والدفاع عنه وفقاً للقواعد القانونية.
الخاتمة
إن الحصول على التعويض الكامل عن حادثة سير لا يعتمد على جسامة الإصابة وحدها، بل يعتمد أيضاً على تجنب الأخطاء التي قد تؤدي إلى ضياع الحقوق أو تخفيض قيمتها. فكل قرار يتخذه المصاب بعد الحادث، وكل وثيقة يوقعها، وكل إجراء يهمله، قد تكون له آثار مباشرة على قيمة التعويض النهائي.
ولهذا، فإن أفضل وسيلة لحماية حقوقك هي التعامل مع ملف الحادث منذ البداية باعتباره ملفاً قانونياً قبل أن يكون ملفاً طبياً، والاستعانة بمحام متخصص يواكب جميع مراحله، حتى لا تضيع حقوق يصعب استرجاعها بعد فوات الأوان.
